كتاب الرأي

الخليج بين اختبار الاستقرار ومخاطر التصعيد

قراءة في احداث الخميس6 مارس 2026 في الحدث الإقليمي

كتبها – ناصر مضحي الحربي

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتتشابك خيوطها فوق خريطة الشرق الأوسط، تبدو منطقة الخليج وكأنها تقف على حافة اختبارٍ جديد يختبر صلابة استقرارها وقدرتها على حماية أمنها وسيادتها.
فبينما كانت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تؤكد على الدوام أنها شريك موثوق للمجتمع الدولي وركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، جاءت التطورات الأخيرة لتضع هذه القناعة أمام واقعٍ متوترٍ تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه الرسائل السياسية والعسكرية.

في هذا السياق، شدد الأمين العام لمجلس التعاون جاسم محمد البديوي على أن دول المجلس، رغم التزامها الدائم بنهج التهدئة والعمل الدبلوماسي، لن تقبل أن تتحول إلى هدفٍ لأي اعتداء أو إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فسيادة دول الخليج وأمن شعوبها، كما أكد، خطٌ أحمر لا مجال للتهاون فيه، وأن احترام القانون الدولي يظل الطريق الوحيد للحفاظ على الاستقرار في منطقة تعج بالتوترات.

كلمات البديوي جاءت في لحظة إقليمية دقيقة، إذ تشهد المنطقة تصاعداً في التوترات بعد هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة نسبت إلى إيران واستهدفت منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية في عدد من دول الخليج، شملت موانئ ومطارات ومرافق خدمية، إلى جانب انتهاكات طالت بعثات دبلوماسية في خرق واضح للأعراف الدولية واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وهي أحداث لا تُقرأ فقط بوصفها وقائع عسكرية معزولة، بل كإشاراتٍ مقلقة إلى اتساع دائرة التصعيد في منطقة يعتمد العالم على استقرارها لضمان أمن الطاقة والتجارة الدولية.

ولعل أخطر ما في هذه التطورات أنها لا تمس دول الخليج وحدها، بل تمتد آثارها إلى خطوط الملاحة العالمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي يشكل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
فكل تهديد يطال هذا الممر البحري ينعكس تلقائياً على الاقتصاد العالمي، ويعيد طرح سؤال الأمن الجماعي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

ورغم هذه التحديات، حرصت دول مجلس التعاون خلال السنوات الماضية على تبني مسار التهدئة وفتح قنوات الحوار، في محاولة لخفض حدة التوترات.
وقد تجلى ذلك في استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023، إضافة إلى المبادرات الدبلوماسية التي قادتها سلطنة عُمان، والاجتماعات الإقليمية التي سعت إلى إبقاء الحوار مفتوحاً، ومنها اللقاء الوزاري الذي جمع دول المجلس مع إيران في الدوحة عام 2024. غير أن هذه الجهود تبدو اليوم وكأنها تواجه اختباراً صعباً في ظل استمرار التوترات والاعتداءات.

وفي موازاة ذلك، عبرت المملكة العربية السعودية عن إدانتها الشديدة لمحاولة استهداف كل من تركيا وأذربيجان، مؤكدة أن تكرار مثل هذه التصرفات يعكس نهجاً تصعيدياً يهدد استقرار المنطقة ويتعارض مع مبادئ حسن الجوار والقانون الدولي.
كما أعلنت تضامنها الكامل مع البلدين، مشددة على حقهما في حماية سيادتهما وأمن أراضيهما ومجالهما الجوي.

أما على مستوى التنسيق الخليجي، فقد أجرى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان اتصالاً هاتفياً مع ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في دولة الإمارات الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، بحثا خلاله تطورات الأوضاع الإقليمية.
وأدان الجانبان الهجمات الإيرانية التي استهدفت عدداً من دول المنطقة، مؤكدين تضامنهما الكامل واستعدادهما لتسخير كل الإمكانات لدعم الإجراءات الكفيلة بردع أي اعتداء والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

وفي الميدان، كانت البحرين وقطر من بين الدول التي واجهت موجات من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
فقد أعلنت البحرين اعتراض صاروخين باليستيين إيرانيين، في حين اندلع حريق في منشأة مرتبطة بوزارة الداخلية قرب إحدى المصافي النفطية في منطقة المعامير قبل أن تتمكن فرق الإطفاء من السيطرة عليه.
كما كشفت قوة دفاع البحرين أن نحو 75 صاروخاً باليستياً و123 طائرة مسيّرة أطلقت باتجاه المملكة ضمن ما وصفته باعتداءات إرهابية، مؤكدة أن استهداف الأعيان المدنية والممتلكات الخاصة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.

وفي الدوحة أعلنت وزارة الدفاع القطرية أن دفاعاتها الجوية تصدت لموجة هجوم شملت 14 صاروخاً باليستياً وأربع طائرات مسيّرة، تمكنت من اعتراض معظمها قبل وصولها إلى أهدافها، بينما سقط صاروخ في المياه الإقليمية دون أن يسفر عن أضرار.
وأكدت القوات المسلحة القطرية امتلاكها القدرات الكفيلة بحماية سيادة الدولة والتعامل مع أي تهديدات خارجية.

هذه التطورات دفعت عدداً من القوى الدولية إلى إعادة النظر في انتشارها العسكري في المنطقة. فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إرسال أربع مقاتلات إضافية من طراز يوروفايتر تايفون إلى قطر لتعزيز القدرات الدفاعية البريطانية في الشرق الأوسط، في خطوة تعكس القلق المتزايد لدى العواصم الغربية من اتساع دائرة المواجهة.
وفي الوقت ذاته، اتخذت السفارة البريطانية في البحرين إجراءات احترازية بسحب جزء من موظفيها وعائلاتهم في ظل استمرار الهجمات.

وبين تصاعد العمليات العسكرية والتحركات الدبلوماسية، تبدو المنطقة وكأنها تقف أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تنتصر لغة القانون الدولي والحوار، وإما أن تنزلق المنطقة إلى دوامة تصعيد جديدة قد تتجاوز حدودها الجغرافية لتطال الأمن العالمي بأسره.
وفي ظل هذه المعادلة الدقيقة، تظل الرسالة الخليجية واضحة: السلام خيار استراتيجي، لكنه لا يعني القبول بالاعتداء أو التهاون في حماية السيادة والأمن.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى